العلاجات النفسية الحديثة من النماذج التشخيصية إلى المقاربات العابرة للتشخيص
شهد العلاج النفسي خلال العقود الثلاثة الأخيرة تطورًا متسارعًا، لم يقتصر على تحسين التقنيات العلاجية، بل شمل إعادة نظر جذرية في كيفية فهم الاضطرابات النفسية ذاتها. فبعد هيمنة النماذج التشخيصية التقليدية، بدأت تظهر مقاربات علاجية حديثة تركز على العمليات النفسية المشتركة بدلًا من التشخيصات المنفصلة.
أولًا: حدود النموذج التقليدي في العلاج النفسي
اعتمدت العلاجات الكلاسيكية، خصوصًا العلاج المعرفي السلوكي التقليدي، على مبدأ أن لكل اضطراب نموذجًا خاصًا وتدخلًا مخصصًا. ورغم فاعلية هذا التوجه، إلا أن الأبحاث كشفت عن عدة تحديات، من أبرزها:
-
التداخل الكبير بين الاضطرابات النفسية (Comorbidity)
-
ارتفاع معدلات الانتكاس
-
طول مدة العلاج في بعض الحالات
وقد مهّدت هذه التحديات الطريق لظهور نماذج علاجية أكثر مرونة وعمقًا.
ثانيًا: موجة العلاجات النفسية الحديثة
1. العلاج ما وراء المعرفي (Metacognitive Therapy – MCT)
يركز العلاج ما وراء المعرفي على تغيير طريقة تعامل الفرد مع أفكاره بدلًا من تغيير محتواها. ويستهدف بشكل مباشر متلازمة الانتباه المعرفي (CAS)، بما تشمل من اجترار، قلق، ومراقبة ذاتية مفرطة. ويُعد من أبرز النماذج العابرة للتشخيص.
2. العلاج السلوكي الجدلي (Dialectical Behavior Therapy – DBT)
طُوّر DBT في الأصل لعلاج اضطراب الشخصية الحدية، ثم توسع استخدامه ليشمل مشكلات تنظيم الانفعالات، السلوك الاندفاعي، وإيذاء الذات. يجمع بين القبول والتغيير، ويعتمد على مهارات عملية منظمة.
3. علاج القبول والالتزام (Acceptance and Commitment Therapy – ACT)
ينطلق ACT من الإطار السياقي الوظيفي، ويركز على زيادة المرونة النفسية عبر القبول، الفصل المعرفي، والالتزام بالقيم. لا يسعى إلى إزالة الأعراض مباشرة، بل إلى تغيير علاقة الفرد بتجاربه الداخلية.
ثالثًا: ما الذي يجمع هذه العلاجات؟
رغم اختلاف الأطر النظرية، تشترك العلاجات الحديثة في عدة سمات أساسية:
-
التركيز على العمليات النفسية بدلًا من الأعراض فقط
-
الاهتمام بالعلاقة مع الأفكار والمشاعر
-
تعزيز التنظيم الذاتي والمرونة النفسية
-
التوجه نحو النماذج العابرة للتشخيص
تعكس العلاجات النفسية الحديثة تحولًا نوعيًا في فهم المعاناة النفسية، من التركيز على التشخيص إلى التركيز على العمليات. ومع تطور البحث العلمي، يظل التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الصرامة العلمية والمرونة الإكلينيكية.

English
العربية