تاريخ موجز للعلاج ما وراء المعرفي (Metacognitive Therapy)
يُعد العلاج ما وراء المعرفي (Metacognitive Therapy – MCT) أحد النماذج العلاجية الحديثة نسبيًا في العلاج النفسي، وقد تطور استنادًا إلى تراكمات نظرية وتجريبية في علم النفس المعرفي وعلوم الانتباه والتنظيم الذاتي. لم ينشأ هذا النموذج بوصفه تعديلًا مباشرًا للعلاج المعرفي السلوكي، بل بوصفه إعادة صياغة جذرية لكيفية فهم الاضطرابات النفسية وآليات استمرارها.
يستعرض هذا المقال تاريخ تطور العلاج ما وراء المعرفي، منذ جذوره في علم النفس المعرفي، وصولًا إلى تطبيقاته الإكلينيكية المعاصرة.
لجذور المعرفية: ما وراء المعرفة في علم النفس
ظهر مفهوم ما وراء المعرفة (Metacognition) في سبعينيات القرن الماضي، خاصة في أعمال عالم النفس الأمريكي جون فلافل (John Flavell)، الذي عرّفها بأنها معرفة الفرد بعملياته المعرفية وقدرته على مراقبتها وتنظيمها. وقد استُخدم المفهوم في البداية لفهم التعلم، الذاكرة، وحل المشكلات.
لاحقًا، توسع الاهتمام بما وراء المعرفة ليشمل:
-
المعتقدات حول التفكير (مثل: هل أفكاري خطيرة؟ هل يمكنني التحكم فيها؟)
-
استراتيجيات تنظيم الانتباه
-
المراقبة الذاتية والتقييم المستمر للأفكار والانفعالات
وقد مهد هذا التوسع الطريق لربط ما وراء المعرفة بالاضطرابات النفسية.
من المحتوى إلى العملية: التحول النظري
في التسعينيات، بدأ النقد يتزايد للنماذج العلاجية التي تركز بشكل أساسي على محتوى الأفكار السلبية، خاصة في الاكتئاب والقلق. وأظهرت الأبحاث أن محاولة تغيير محتوى الأفكار لا تؤدي دائمًا إلى تحسن مستدام، وأن الانتكاس يظل شائعًا.
في هذا السياق، قدّم أدريان ويلز (Adrian Wells) نموذجًا نظريًا جديدًا يفترض أن العامل الحاسم في الاضطرابات النفسية ليس نوع الأفكار، بل طريقة التعامل معها. ونتج عن ذلك تطوير مفهوم متلازمة الانتباه المعرفي (Cognitive Attentional Syndrome – CAS).
تتكون CAS من:
-
القلق والاجترار المستمر
-
التهديد المفرط والانتباه الانتقائي للخطر
-
استراتيجيات تنظيم غير تكيفية مثل التجنب، الطمأنة، وكبت الأفكار
نشأة العلاج ما وراء المعرفي
في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة، تم دمج النموذج الميتامعرفي مع بروتوكولات علاجية واضحة، ليظهر العلاج ما وراء المعرفي كنموذج علاجي مستقل.
افترض MCT أن:
-
المعتقدات الميتامعرفية الإيجابية (مثل: القلق يساعدني على الاستعداد)
-
والمعتقدات الميتامعرفية السلبية (مثل: أفكاري خارجة عن السيطرة)
هي التي تحافظ على CAS، وبالتالي على الاضطراب النفسي.
بدلًا من مناقشة صحة الأفكار، يركز العلاج على:
-
تغيير العلاقة مع التفكير
-
تعطيل الاجترار والقلق
-
تدريب التحكم المرن في الانتباه
الانتقال إلى الممارسة الإكلينيكية
تم تطوير بروتوكولات علاجية ميتامعرفية لعدد واسع من الاضطرابات، من بينها:
-
اضطرابات القلق (القلق المعمم، الهلع، الرهاب)
-
الاكتئاب الجسيم
-
الوسواس القهري
-
اضطراب ما بعد الصدمة
وأظهرت الدراسات الإكلينيكية نتائج واعدة، شملت:
-
معدلات شفاء مرتفعة
-
سرعة التحسن
-
انخفاض معدلات الانتكاس
وقد ساهم ذلك في انتشار MCT بوصفه نموذجًا عابرًا للتشخيص (Transdiagnostic).
العلاج ما وراء المعرفي اليوم
اليوم، يُستخدم العلاج ما وراء المعرفي في العديد من الدول، وتوجد له:
-
أدلة علاجية منظمة
-
برامج تدريب واعتماد للمعالجين
-
أبحاث متزايدة تدعم فعاليته مقارنة بنماذج علاجية تقليدية
كما يُنظر إليه بوصفه جسرًا بين علم النفس المعرفي الأساسي والتطبيق الإكلينيكي، مع تركيز واضح على العمليات النفسية المشتركة بين الاضطرابات.
يمثل العلاج ما وراء المعرفي تطورًا طبيعيًا في تاريخ العلاج النفسي، حيث انتقل التركيز من تعديل الأفكار إلى تعديل طريقة التعامل معها. ومن خلال جذوره الراسخة في علم النفس المعرفي، ونموذجه التفسيري الدقيق، استطاع MCT أن يفرض نفسه كأحد النماذج العلاجية الواعدة في الممارسة الإكلينيكية الحديثة.
المرجع (باللغة الإنجليزية)
Capobianco, L., & Nordahl, H. (2023). A brief history of metacognitive therapy: From cognitive science to clinical practice. Cognitive and Behavioral Practice, 30(1), 45-54.

English
العربية