نحو فهم منحى علاجي جديد: العلاج ما وراء المعرفي
العلاج ما وراء المعرفي هو أسلوب علاجي نفسي قائم على الدليل، يستند إلى أكثر من 30 عامًا من البحث في أسباب الاضطرابات النفسية وكيف يعمل العقل. ويمثل العلاج تحولًا مهمًا في الطريقة التي نفهم بها الاضطرابات النفسية ونعالجها، كما تشير نتائج عدد متزايد من البحوث إلى فعاليته في علاج مجموعة من الاضطرابات النفسية الشائعة، ويبدو مفيدًا بشكل خاص للأشخاص الذين يعانون من الهم المستمر والاجترار والقلق، خاصة أنها عمليات مشتركة ومتداخلة في العديد من الاضطرابات النفسية.
وإذا أردنا فهم منطق هذا المنحى العلاجي، فيمكننا التفكير في طرح أدريان ويلز Adrian Wells، مؤسس العلاج: «الجميع تراودهم أفكار سلبية، والجميع يصدقون أفكارهم السلبية أحيانًا. لكن ليس الجميع يصابون بقلق مستمر أو اكتئاب أو معاناة انفعالية. والسؤال المهم هو: ما الذي يتحكم في الأفكار ويحدد ما إذا كان الشخص قادرًا على تجاهلها، أم أنه ينغمس فيها ويصل إلى ضيق نفسي ممتد وأعمق؟»
هل المشكلة في وجود الأفكار السلبية؟
لو كان مجرد ظهور الأفكار السلبية هو المشكلة، لكان جميع الناس معرضين بالضرورة للاضطرابات النفسية، لأن الأفكار السلبية تتوارد على الجميع. لكن يبدو أن العامل الأكثر أهمية ليس مجرد وجود الفكرة، وإنما ما يحدث بعد ظهورها: كيف يتعامل الشخص معها، وإلى أي مدى ينخرط فيها، وما الاستراتيجيات التي يستخدمها للاستجابة لها.
وكما يوضح ويلز: «الأفكار ليست هي المشكلة، وإنما استجابتك لها هي المهمة.»
نحن لا نستطيع التحكم في الأفكار التي تظهر تلقائيًا في أذهاننا، لكن يمكننا أن نقرر كيف نتعامل معها بعد ظهورها. فالأفكار والمشاعر السلبية قد تكون مزعجة، لكنها جزء طبيعي من الحياة ويعايشها الجميع. وفي معظم الحالات تكون عابرة وقصيرة المدى. فهل وجود الأفكار السلبية بحد ذاته يعني أن الشخص سيعاني من اضطراب نفسي؟ وفق هذا المنظور، لا.
فلماذا تتصاعد الأفكار السلبية لدى بعض الأشخاص لتتحول إلى ضيق نفسي؟
تكمن الإجابة في أن هناك طرقًا للاستجابة للأفكار والمشاعر السلبية تساعدها على المرور بصورة أسرع، بينما تؤدي طرق أخرى إلى إطالتها وتصاعدها وتماديها، مما قد يسهم في استمرار الضيق والكرب النفسي. والمفارقة أن بعض الاستراتيجيات التي يستخدمها الأشخاص بهدف التكيف والشعور بالتحسن قد تصبح نفسها جزءًا من المشكلة. فعندما ينخرط الشخص في الهم والاجترار ويعتقد أنه يبحث عن حل، وأنه يبذل جهدًا في إيجاد مخرج، فقد يجد نفسه في الواقع يحفر لنفسه أكثر ويتورط أكثر في المعاناة.
ببساطة، يمكننا القول إن التفكير الطبيعي يختلف عن نمط الهم والاجترار؛ ولا يمكنك إطفاء الحريق بالبنزين، ولا يمكنك أن تخرج من حفرة بأن تحفر فيها أكثر.
كيف يمكن أن يصبح ما نفعله للتعامل مع المشكلة جزءًا منها؟
قد يبدو هذا الأمر غير بديهي: كيف يمكن للحل الذي كنت تعتقد أنه سيساعدك أن يصبح هو المشكلة؟
تخيل مثلًا أن لدى الشخص بعض التصورات الإيجابية حول الهم والاجترار والتجنب، بينما في المقابل لديه تصورات سلبية حول ظهور بعض الأفكار، أو حول صعوبة التحكم في هذا الهم والاجترار، بل وقد يعتقد أن الاستمرار فيهما يمثل خطورة على جسده أو عقله. كيف سيكون حاله؟ قد يدخل في الاجترار بحثًا عن حلول، ثم يبدأ بعد فترة في البحث عن طريقة للتخلص من الاجترار نفسه بما يحمله من مضمون مزعج وغير مجدٍ.
وهذا يعني أن تصورات الشخص ومعتقداته حول طريقة تفكيره واستجابته تلعب دورًا محوريًا في استمرار هذه العمليات أو صعوبة التحكم فيها. ويمكن القول إن معتقداتك ما وراء المعرفية توجه الطريقة التي تتعامل بها مع أفكارك ومشاعرك، وتؤثر في الاستراتيجيات التي تستخدمها للاستجابة لها.
وتُسمى المعتقدات التي نحتفظ بها حول أفكارنا وطريقة تفكيرنا المعتقدات ما وراء المعرفية (Metacognitive Beliefs).
ماذا تعتقد بشأن أفكارك ومشاعرك؟
تأمل هذه الأسئلة:
- هل تعتقد أن الهم مفيد؟
- هل يمكن للأفكار والمشاعر السلبية أن تؤذيك؟
- هل يجب التعامل معها أو حلها؟
- هل الهم والاجترار خارج نطاق سيطرتك؟
لدينا جميعًا أفكار ومعتقدات حول أفكارنا، ومدى أهميتها، والطريقة التي ينبغي أن نتعامل بها معها. وتشير أبحاث العلاج ما وراء المعرفي إلى أن هذه المعتقدات قد تكون عاملًا مهمًا في تحديد ما إذا كان الشخص سيطور اضطرابًا نفسيًا ويستمر لديه.
فعندما تعتقد مثلًا أن الهم سيساعدك على حل المشكلات والاستعداد للمستقبل، وفي الوقت نفسه تعتقد أن الهم خارج عن سيطرتك، فقد تجد نفسك عالقًا في دائرة من التفكير السلبي.
وبالمثل، إذا اعتقدت أنك تحتاج إلى الاجترار حول حزنك واكتئابك للوصول إلى إجابات، وأنك لا تستطيع إيقاف هذه العملية، فقد يستمر التفكير بصورة متكررة. وإذا اعتقدت أنك تحتاج إلى مراقبة أعراضك باستمرار لتجنب نوبة هلع، وأنك لا تستطيع التوقف عن هذه المراقبة، فقد تدخل أيضًا في دائرة مستمرة من التفكير والانشغال.
عندما تتحول الاستجابة إلى دائرة مفرغة
إذا اعتقد الشخص أن أفكارًا معينة، مثل التفكير في الإصابة بالسرطان، خطيرة ومهمة، فقد يحاول تجنب هذه الأفكار أو قمعها. لكن تجنب الأفكار وقمعها قد يأتي بنتيجة عكسية، ويجعل الفكرة أكثر استمرارًا.
وقد يفسر الشخص استمرار الفكرة باعتباره دليلًا على أنها مهمة بالفعل وأنها تعني شيئًا ما. وربما يبدأ في التفكير: «هل تراودني كل هذه الأفكار عن السرطان لأنني مصاب به فعلًا؟»
وإذا كان يعتقد أيضًا أنه يحتاج إلى القلق بشأن صحته ومراقبة جسده باستمرار حتى يظل آمنًا ويكتشف أعراض السرطان مبكرًا، فقد يتنقل باستمرار بين محاولة منع أفكار السرطان ومراقبة جسده بحثًا عن علامات تدل عليه.
في المقابل، قد يعتقد بعض الأشخاص أنه ليس من الضروري الاستجابة لكل فكرة تظهر في الذهن، أو أن الأفكار الاقتحامية يمكن أن تمر من تلقاء نفسها إذا سمحوا لها بالوجود دون الانخراط فيها. وهؤلاء يكونون أقل عرضة للانغماس في دوائر الاجترار والإفراط في التفكير.
وهنا يبدأ ظهور فرق مهم بين الأشخاص الذين يعانون من مشكلات نفسية وأولئك الذين لا يعانون منها.
عندما يصبح ما نفعله للتعامل مع المشكلة جزءًا منها: المتلازمة المعرفية الانتباهية CAS
أصبحنا نعرف الآن أن بعض الاستراتيجيات التي يستخدمها الأشخاص للتعامل مع الضيق النفسي قد تسهم في إحداثه أو تضخيمه. وتشكل هذه الأنماط من الاستجابة للأفكار والمشاعر السلبية ما يُعرف بالمتلازمة المعرفية الانتباهية (Cognitive Attentional Syndrome, CAS)، وهي نمط من الاستجابة يتسم بالتفكير السلبي المستمر، وتركيز الانتباه على التهديد، واستخدام استراتيجيات للتعامل قد تأتي بنتائج عكسية.
وتتكون المتلازمة المعرفية الانتباهية من:
- التفكير السلبي المستمر والممتد، مثل الهم والاجترار.
- تثبيت الانتباه وتركيزه على التهديدات، مثل الأفكار أو المشاعر أو الأعراض السلبية.
- استخدام استراتيجيات للتعامل تأتي بنتائج عكسية، مثل التجنب واستراتيجيات التحكم في الأفكار، والتي قد تعوق التنظيم الذاتي أو تجعل الأفكار والمشاعر السلبية أكثر استمرارًا.
وتظهر المتلازمة المعرفية الانتباهية في مختلف الاضطرابات النفسية، وتسهم في استمرار الأفكار والمشاعر السلبية وتصعيدها.
ويمكن تلخيص هذا الطرح في أن ما يغذي دائرة الضيق النفسي هو الاستجابة نفسها، وليس الفكرة أو الشعور أو العرض الأولي.
كيف يتعامل العلاج ما وراء المعرفي مع هذه الدائرة؟
يساعد العلاج ما وراء المعرفي الشخص على استعادة قدرته الطبيعية على الاستجابة لأفكاره دون إطالة المعاناة النفسية. وهو علاج منظم وقائم على دليل علاجي (Manual-based)، ويتبع تسلسلًا محددًا من التدخلات في اضطرابات شائعة مثل القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والوسواس القهري وغيرها.
وتكمن خصوصية هذا العلاج في أنه لا يجعل محتوى الأفكار محور التدخل الأساسي، وإنما يركز بصورة أكبر على طريقة تعامل الشخص مع أفكاره ومعتقداته حول التفكير.
ومن المهم الإشارة إلى أنه قد يكون من الصعب فهم العلاج ما وراء المعرفي بصورة كاملة بمجرد القراءة عنه، لأن هذه المبادئ تتحدى طرائقنا المعتادة في التفكير والاستجابة. ولذلك، غالبًا ما يحتاج إلى أن يُختبر عمليًا. وقد تتعارض هذه الممارسات مع معتقداتك حول ضرورة حل المشكلات من خلال الاجترار والهم. لكن هذه الطبيعة التجريبية لهذا العلاج هي تحديدًا ما يجعله قويًا وفعالًا ومختلفًا عن كثير من الأساليب العلاجية التي تجعل تعديل محتوى الأفكار محورًا أساسيًا للتدخل.
للاستزادة
Wells, A. (2009). Metacognitive therapy for anxiety and depression. Guilford Press.
https://www.metacognitivetherapy.com

English
العربية